UNDA Official Site
التجمع القومي
الديمقراطي الموحد
ليس هناك من يستطيع محاسبتنا على التزامنا بقوميتنا
إقليم وادي النيل              
أقوال الرئيس المؤسس
  • اذا دبت فوضى العنف، فعلى السلام أن يمد ذراعه بالهجوم .
  • التعصب للمظلوم ليس بالدفاع عنه، وإنما بالهجوم على الظالم.
  • كل منا له وعليه، ومن جاء أخاه يطلب حقا بالسيف، وقع السيف عليه.
  • المظلومون يصنعون التاريخ، وحريتهم تصنع الحضارة .
  • الجدار القومي هو الوحيد الذي يمكن للمظلومين أن يستندوا اليه .
  • المظلوم هو قلعة الانتماء، وانتماؤك اليه هو الذي يجعلك سويا كإنسان .
  • القتيل المظلوم يعادل أمة بالكامل. والأمة التي لا تنصف مظلوم لا معنى لها.
  • ضحايا الظلم، وإن قل عددهم أكبر من أي شعب يتلاعب به ظالم .
الثورةالعربيَّة(الفلسطينيَّة)الكُبرى1936


رانية عبد الرحيم المدهون

إنها الثورة العربيَّة (الفلسطينيَّة) الكبرى؛ التي انطلقت في 20 نيسان/أبريل 1936، وامتدت حتى عام 1939. إنها الإضرار التاريخي، الذي اجتمع عليه العرب، والذي سجَّل خطوات للأمام، لولا تواطؤ بعض القيادات العربيَّة على هذه الثورة، والضغط على قيادات الثورة، من أجل إقناع الشعب بفض الإضراب، وبالتالي انتهاء الثورة.

بدايات الثورة:

بدأت ثورة 1936 بطريقة تُعد بالعفويَّة، فجذبت الشعب على نحو غير مسبوق، على أهداف وقف الهجرة اليهودية، ومنع بيع الأراضي واغتيال باعة الأرض والسماسرة والجواسيس والتصدي لمشروع التقسيم الذي كانت بريطانيا تمهد لتنفيذه، وصيانة عروبة فلسطين والحفاظ على أراضيها ومنع تهويدها، وإعلان استقلالها في وحدة عربية شاملة.

في هذه الأثناء، كانت موجة ثورية معادية للإمبريالية قد اجتاحت العالم العربي بين 1935 و 1937 وتميزت بالعنف على الرغم من تباين الأقطار العربية واختلاف درجات تطورها.

وهذا الاختلاف فرض على الحركات القومية أهدافا تتلاءم مع أوضاعها العينية. ولذلك لم يكن غريبا مثلا أن تطالب الحركة القومية في سوريا بالاستقلال السياسي وبمعاهدة مع فرنسا على غرار المعاهدة العراقية – البريطانية في حين كانت الحركة القومية في العراق ترى في تلك المعاهدة عبئا بقيد حريتها.

من الضروري ملاحظة التفاعل بين الأحداث عامة وبين أحداث العالم العربي خاصة، فمما لاشك فيه أن الانتفاضات الثورية في هذا القطر العربي أو ذاك أثرت على مسيرة الحركات القومية في الأقطار العربية الأخرى.

وتحت ضغط النشاط الجماهيري والوحدة القومية اضطرت بريطانيا إلى مفاوضة زعماء الجبهة في آذار مارس 1936.
كان النشاط القومي في القطرين العربيين المتجاورين المصري والسوري، عاملاً أساسيًا في اشتعال ثورة 1936 في فلسطين ولكنه لم يكن حافزا لها، أما الحافز فكانت عوامله- كما أوردنا عند سرد ظروف " هبة 1933 " – تكمن في السيادة الإمبريالية البريطانية والممارسة الصهيونية المعادية للشعب العربي الفلسطيني.

لجأت الثورة إلى الكفاح المسلح أسلوبا، لانتزاع حقوقها من الاستعمار البريطاني، ولم تتوقف إلا عند اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939، لأسباب ذاتية، وأسباب تتعلق بالتدخل العربي الرسمي لإنهاء الإضراب، والتحالف الفرنسي البريطاني عشية عام 1939.

أسباب اندلاع الثورة:

اضطَّرت القيادة الفلسطينيَّة إلى اللجوء إلى الثورة كخيار وحيد للشعب، نتيجة تطورات الأحداث بعد هبة البراق 1929، وكانت هذه التطورات والأحداث تشكل خطراً كبيراً على الوجود العربي في فلسطين سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.

من هذه التطورات المذكورة سالفًا أن القيادة والمؤسسات التقليدية التي أدت إلى ضعف الحركة الوطنية لفلسطينية، وخصوصاً بعد وفاة رئيس اللجنة التنفيذية موسى كاظم الحسيني وحل اللجنة والشروع في تجربة "القيادة من خلال الأحزاب" التي كانت مظهراً جديدا للعشائرية والإقطاعية السياسية، وقد ساعدت في ذلك سياسة المندوب السامي البريطاني الجديد واكهوب.

كما أن ثورة الشيخ عز الدين القسام 1935، قد تجسد فيها الإيمان بعدم جدوى العمل السياسي وأن العمل المسلح هو السبيل الوحيد لبلوغ الأهداف الوطنية، وقد أيقظت هذه الثورة الشعب الفلسطيني وأشعلت في نفسه الحماسة للجهاد.
إلى جانب التحركات الوطنية والقومية العربية، التي تمثلت في حصول العراق على شبه استقلال بمعاهدة عام 1930 التي ألغت الانتداب، واضطرابات مصر المطالبة بإعادة الدستورعام1923، وإضراب سوريا في 1936 بهدف إلغاء الانتداب.

أدى عدوان إيطاليا على الحبشة إلى تحويل التجارة العالمية عن المنطقة إلى حد ما، الأمر الذي شدد أزمة العمل في فلسطين.

ويَذكر ولتر بريوس في كتابه " حركة العمال في إسرائيل" أن نتائج التوتر الدولي في البحر الأبيض المتوسط بدأت تظهر في آب أغسطس 1935، على شكل تقليص في الاعتمادات في فلسطين مما أدى إلى إضعاف وتيرة البناء وإبطاء في صناعة مواد البناء الممتد إلى ميادين أخرى، ولأول مرة منذ 931 عادت البطالة إلى الظهور.

ومن الطبيعي أن البطالة لم تقتصر على القطاع اليهودي بل انتشرت إلى القطاع العربي على نطاق أوسع إذ كان النشاط الاقتصادي في القطاع اليهودي ينمو بسبب الهجرة والتطوير الصناعي والزراعي، في حين أسهمت السياسة الإمبريالية والممارسة الصهيونية في التضييق على النشاط الاقتصادي العربي بحيث أدى إلى تفاقم أزمة البطالة خصوصا في هذه الفترة بالذات حين اتسعت صفوف العمال العاطلين نتيجة تشريد الفلاحين العرب عن أراضيهم التي باعها الإقطاعيون – الغائبون في أكثر الحالات – إلى اليهود.

إلى ذلك فقد وصلت الأعداد المتزايدة في الهجرة اليهودية عشية ثورة الـ36 إلى نحو 40 ألف مهاجر، واستمرار الهجرة السرية إلى فلسطين مع تغاضي الحكومة البريطانية عنها والتستر عليها وحمايتها، ورفض مجلس العموم البريطاني مطلب العرب بوقف الهجرة اليهودية في آذار (مارس) 1936.
كما جاء سبب لهذه الثورة استيلاء الصهاينة على الأراضي الفلسطينية وسن الأنظمة والقوانين من قبل الحكومة البريطانية لتسهيل عملية الاستيلاء على الأراضي وتهجير الفلاحين وتحولهم إلى عمال يعانون من البطالة.


حيث ازدادت الطبقة العمالية بمن تحول إليها من الفلاحين الذين جردوا من أراضيهم ولم يجدوا عملاً، فانتشرت البطالة، وضاعف من حدتها "مبدأ العمل العبري" و "امتلاك العمل" الذي أخذ به الصهاينة، وتفضيل السلطات البريطانية لتلزم العمل إلى مقاولين صهاينة حتى في بعض المناطق العربية، وتدني أجور العمال العرب في مقابل العمال الصهاينة في المهنة الواحدة، وارتفاع الضرائب على ملكية الأراضي من 9% إلى 15%، أما الفلاح فقد كان يدفع 25% من صافي دخله ضرائب في السنوات العجاف.

ذك مع نمو الوضع العسكري للصهاينة؛ حيث تمت إعادة تنظيم "الهاغاناه" بعد هبّة البراق، من حيث العدد وتوسيع المهمات، والعدوان من قبل المستوطنين على المدن والقرى المجاورة واقتراف أعمال إرهابية إجرامية ضد العرب، وتصنيع السلاح واستيراده بكميات وفيرة بشكل سري وتوزيعه على المدن والمستعمرات الصهيونية.

استهلال أولى شرارات الثورة:

حدثت الشرارة التي أشعلت الثورة؛ فقد قتلت مجموعة مسلحة في 15 نيسان (ابريل) 1936 ، وسط حالة عامة من التوتر، بالقرب من عنبتا بين طولكرم ونابلس يهوديين وجرحت ثالثاً، كانوا في طريقهم إلى "تل أبيب" وفي اليوم التالي قتل عربيان على أيدي "الهاغاناه" في بيارة بالقرب من يافا، واشتد التوتر في منطقة يافا- تل ابيب، فوقعت صدامات عنيفة بين العرب واليهود خصوصاً في الأحياء المختلطة، وأحرقت عشرات البيوت والحوانيت، وقتل يهودي وجرح نحو خمسين. بعد ثلاثة أيام من الصدامات سيطرت الحكومة البريطانية على الوضع وفرضت حظر التجول على المدينتين وجوارهما وأعلنت حالة الطوارئ في البلاد، وأعلنت يافا الإضراب العام وتبعتها مدن وقرى فلسطين وبادر زعماء المدن والقرى على اختلاف مشاربهم وفئاتهم إلى إنشاء اللجان القومية وضمت هذه اللجان ممثلين عن جميع الأحزاب والطوائف والفئات.

لقد تحوَّل الإضراب العفوي إلى إضراب واع شمل في اليوم التالي عمال الميناء.

حينها تحركت فئات قومية وأذاعت بيانات أعلنت فيه أن سياسة الوطن القومي اليهودي هي سياسة غاشمة..."، وأن تجربة حكم شعب بخلاف رغبته وإرادته هي تجربة فاشلة".


وجاء في بيان اللجنة القومية التي تألَّفت على عجل، في اجتماع وطني أن المجتمعين يعلنون، مبدئيا، الإضراب العام في يافا إعلانا لسخط العرب على سياسة السلطات الفاسدة التي يقصد منها " إبادة العربي في بلده العربي".

كما امتد الإضراب شيئا فشيئا حتى شمل ميناء يافا، مما أثر على اقتصاد البلاد، لأهمية هذا الميناء وبعد ذلك انفجر في كافة المدن.

فيما بات تأليف اللجنة القومية في نابلس، المدينة العربية البارزة في 20/4/1936 إيذانا بنمو كيفي في هذه الحركة العضوية التي دلت على أن التنظيمات السياسية في البلاد متخلفة عن الأحداث.

سارت قيادة الأحزاب القومية العربية في مجرى التيار؛ فأعلنت بعد يوم، في 21/4/1936 الإضراب العام في البلاد.
اجتمعت بعدها قيادات الأحزاب القومية العربية، وقد كان الإضراب العام ما زال قائماً في 25 نيسان/أبريل 1936 ، فعقدت اللجان القومية مؤتمراً عاماً لها في القدس وألَّفت "اللجنة العربية العليا" لفلسطين برئاسة المفتي الحاج أمين الحسيني، وأمانة سر عوني عبد الهادي وعضوية سائر قادة الأحزاب الفلسطينية.

ولم تختلف شعارات اللجنة العربية العليا عن شعارات الحركة القومية؛ فكانت وقف الهجرة، ومنع بيوع الأراضي وإنشاء حكومة وطنية مسؤولة أمام مجلس نيابي... إنما اختلف عنف اللهجة وتحرك الجماهير الشعبية وخاصة الطلاب والنساء الذين قاموا في البداية بدور كبير في تحريك النشاط الوطني.

اتخذت "اللجنة العربية العليا" قرارً التالي ، أعلنته على الشعب؛ كان نصه كالتالي:

"دعوة الشعب العربي الفلسطيني إلى مواصلة الإضراب العام حتى تبدل الحكومة البريطانية سياستها وتغير مواقفها، وأن تكون البادرة الأولى لهذا التبديل وقف الهجرة اليهودية إلى فلسطين، ولقد كان متفقاً أن يتأخر إعلان الثورة المسلحة بعض الوقت وأن تركز الجهود على الإضراب واستمراره.

رفضت بريطانيا على الرغم من اشتداد الإضراب طلب العرب بوقف الهجرة اليهودية كما أعلنته اللجنة العربية العليا لفلسطين، وقامت بتحديهم بإصدار شهادة هجرة جديدة قدمتها للوكالة اليهودية لإحضار أعداد كبيرة من المهاجرين إلى فلسطين. ورداً على هذا التحدي قرر القادة الفلسطينيون إعلان الثورة المسلحة، وتنفيذاً لهذا القرار أعلن (جيش الجهاد المقدس) الثورة المسلحة على الأعداء (مكون من جميع التشكيلات والمنظمات العسكرية السرية ومن انضم إليها فيما بعد، وقد اختير لقيادته عبد القادر الحسيني) وشرع المجاهدون يهاجمون ثكنات الجيش والشرطة والمستعمرات اليهودية، ويدمرون طرق المواصلات ويهاجمون قوافل الأعداء وتجمعاتهم. اقتصرت أعمال الثورة في أيامها الأربعة الأولى على لواء القدس وحده لكنها ما لبثت في اليوم الخامس أن عمت أنحاء فلسطين في المدن والقرى والبادية".

ولقد بدأت العمليات في البداية في المدن وانتشرت فيها، حيث انتشرت في يافا، ونابلس، والقدس، وطبريا وحيفا وصفد، فاستفزت قوات الاحتلال في المدن التي أصبحت في اشتباك دائم مع الخلايا المقاتلة وركزت نشاطها في نابلس والقدس ويافا حيث كانت الخلايا الثورية نشطة فحشدت لهم قوات كبيرة من الجيش نتيجة لذلك تحول الثوار إلى الريف وانضموا إلى الجماعات الثورية التي كانت تعمل هناك، ولم تكن هذه المجموعات موحدة وكان منها تنظيم القسام مثل فرحان السعدي الذي عمل في منطقة جنين وألقي القبض عليه في قرية نورس وتم إعدامه وهو في الخامسة والسبعين من العمر عام 1937، وعشرات من المجموعات الأخرى المحلية، التي عملت على تشكيل مجموعة مسلحة في كل قرية ومدينة.

وفي تطوُّر نوعي في الميدان ؛ دخل فوزي القاوقجي وقواته إلى منطقة المثلث وتدفق المتطوعون من الأردن وسوريا ولبنان وانضموا إلى الجهاد المقدس ونتيجة لذلك تحولت الثورة في شهرها الثالث إلى معارك مكشوفة مع القوات البريطانية في شتى أنحاء فلسطين.

استهدفت المقاومة حركة النقل العامة والمواصلات السلكية وسدت الطرق ونسفت الجسور وخطوط السكك الحديدية، وكذلك خط النفط الواصل بين العراق وحيفا وأخذت المجموعات السرية داخل المدن تغتال الموظفين البريطانيين وضباط الجيش والشرطة والجواسيس وباعة الأراضي والسماسرة وتلقي المتفجرات على الدوائر الحكومية وحقق الثوار انتصارات في العديد من المعارك وأصبحت هذه الهجمات ظاهرة مألوفة في "مثلث الرعب" كما سماه الجنود البريطانيون إشارة إلى المنطقة الواقعة بين نابلس وجنين وطولكرم، كما وقعت معارك كبيرة في مرج ابن عامر ووادي عزون وبابا الواد، سقط فيها العديد من الشهداء والجنود البريطانيين.

لقد أكَّدت الثورة أنها عصيَّه على السحق العسكري، وأظهرت القدرة على القتال وكانت أعمال العنف والقمع تعزِّز روح المقاومة وتزيد في أعداد المنتسبين إليها، في المقابل اتخذت حكومة الانتداب تدابير عسكرية لقمع الثورة وفرضت الغرامات المادية الثقيلة والعقوبات الجماعية وعقوبات الإعدام واعتقلت الكثيرين وقامت بتخريب الممتلكات ونسف البيوت وهدم الحي القديم في مدينة يافا..الخ. ومع كل ذلك لم تستطع أن تخمد الثورة الشعبية.

خلال أيار ( مايو) 1936 وبينما البلاد مُضرِبَة، عقدت فئات الشعب المؤتمرات والاجتماعات لتقرير تأييد المطالب القومية المعروفة. كذلك عقد منتخبو المجالس البلدية في وجه مقاومة السلطات، اجتماعا قرروا فيه الإضراب.

انعقد مؤتمر اللجان القومية التي تألفت في كل مكان، بغض النظر عن قيام اللجنة العربية العليا في القدس في 7 أيار ( مايو) 1936، تعبيرا عن الاندفاع القومي في البلاد وتجسيما لانخراط فئات قومية جديدة في المعركة.

لم تتغير طبيعة القيادة الطبقية إنما تغير إلى حد التوازن بين العناصر الإقطاعية الريفية والعناصر البرجوازية- التجارية المتوطدة في المدن. ثم برزت في هذا المؤتمر عناصر المهنيين مثل المحاميين والأطباء باعتبارهم قوة فكرية.

وكان السلبي أن مؤتمر اللجان القومية استسلم إلى اللجنة العربية العليا، التي تألفت فوقيا من قادة الأحزاب، وكانت تنظيما رجعيا على الصعيد الاجتماعي وفيما بعد على الصعيد السياسي.

وكان أخطر قرار اتخذه مؤتمر اللجان القومية: الإعلان بالإجماع عن الامتناع عن دفع الضرائب اعتبارا من 15 أيار ( مايو) الحالي إذا لم تغير الحكومة البريطانية سياستها تغييرا أساسيا تظهر بوادره بوقف الهجرة اليهودية". ( المصدر ذاته 47).

أن أهمية هذا القرار، الذي سرى مفعوله في ظل الإضراب المستمر، تكمن في طبيعته المضادة للإمبريالية. واقترن تنفيذ الامتناع عن دفع الضرائب وإعلان العصيان المدني بسلسلة من المظاهرات الجماهيرية الضخمة في مختلف المدن رفعت المعركة القومية إلى مستوى أعلى.

وفي 18 أيار ( مايو ) ألغت الحكومة البريطانية رسميا دعوتها الوفد العربي إلى المفاوضات في لندن وأصدرت بيانا جاء فيه: " إن الوفد العربي المقترح لم يعد ملائما للأحوال التي نتجت وأنه بدلا من ذلك يجب إجراء تحقيق في فلسطين ولذا قررت ( الحكومة – أ- ت) بعد أن يعاد النظام أن تشير على صاحب الجلالة بأن يعين لجنة ملكية لتبحث في أسباب القلق وشكاوى العرب واليهود المزعومة دون التعرض لنصوص الانتداب.

أحسَّت بريطانيا بعجزها عن وقف الثورة وإنهاء الإضراب بالطرق العسكرية فلجأت إلى أساليب غاية في المراوغة فأعلنت أنها قررت إيفاد لجنة ملكية للتحقيق في قضية فلسطين وشكاوى الناس، ووضع التوصيات لحل القضية حلاً عادلاً. وقد وسطت بريطانيا بعض الحكام العرب لإقناع الفلسطينيين بوقف الثورة، وقد حضر بعضهم إلى فلسطين ليجدوا إصراراً عظيما على الاستمرار في الثورة حتى تتحقق مطالبهم.

بذل نور السعيد من العراق الجهد في هذا الموضوع، كما سعى الأمير عبد الله والأمير سعود، وتجددت الاتصالات بين القيادات العربية والقيادات العليا ولكن دون جدوى، في نهاية المطاف استحضرت بريطانيا قوات إضافية لسحق المقاومة حيث بلغ عدد القوات البريطانية في النصف الأول من شهر آب أغسطس 1936 في فلسطين 70 ألف جندي، بالإضافة إلى نحو أربعين ألفا من قوات الشرطة النظامية والإضافية وقوة حدود شرق الأردن وحرس المستعمرات اليهودية وقوات "الهاغاناه" والمنظمات السرية الإرهابية الصهيونية.

على الرغم من ذلك، فقد فشلت هذه الجهود وذهبت أدراج الرياح وظلت الثورة مشتعلة طوال شهري آب وأيلول 1936، دون مهادنة أو ضعف. لكن بعد اتصالات ومشاورات أجراها الملوك والرؤساء العرب بطلب من بريطانيا للتدخل لإنهاء الإضراب، وجهوا رسالة إلى رئيس اللجنة العربية العليا لفلسطين لفك الإضراب وإنهاء المقاومة، ونزل الفلسطينيون عند نداءات الزعماء العرب فأوقفوا الإضراب والثورة في 13/10/1936 وكانت ذريعة القيادة الفلسطينية للقبول بفك الإضراب هي موسم قطاف الزيتون.

انتهى الإضرار العام صبيحة 12 تشرين الأول (أكتوبر) 1936، وعاد الناس إلى حياتهم الطبيعية دون حصول القيادة على أي وعد. جاءت لجنة التحقيق الملكية إلى فلسطين قبل انتهاء عام 1936 لتقديم توصياتها، فرفضت القيادة الفلسطينية الاجتماع باللجنة، لكن تحت الضغوط العربية عليها من مصر والسعودية وبعض التهديدات، وافقت القيادة على استقبال اللجنة.

أنهت اللجنة الملكية أعمالها في أواخر كانون الثاني 1937 وعادت إلى لندن، وأشارت في أواخر حزيران 1937 إلى أنها توصي بتقسيم فلسطين إلى ثلاث مناطق منطقة عربية ومنطقة بريطانية وهي القدس ومنطقة يهودية. تم رفض هذا المشروع من قبل الحركة الصهيونية نظراً لأنه لا يخدم مصالحها، كما رفضته القيادة الفلسطينية والتزمت القيادة العربية بموقف القيادة الفلسطينية ما عدا الأمير عبد الله. أعلنت القيادة الفلسطينية بياناً على الشعب تدعوه فيه إلى التمسك بالمطالب الوطنية ومقاومة التقسيم، وفي مطلع تموز1937 عمّت فلسطين تظاهرات صاخبة ضد التقسيم ووقعت صدامات دامية بين العرب والأعداء.

كما صدر أمر باعتقال أمين الحسيني باعتباره المسئول عن إشعال الثورة، فلجأ الحسيني إلى الأقصى وفي نهاية الأمر فر من الأقصى متخفياً إلى لبنان وبعد مدة من وصوله إلى لبنان استطاع أن ينشر بياناً في الصحف العربية أكد فيه رفضه لمشروع التقسيم وتمسكه بمطالب الشعب المعروفة، ودعا إلى مقاومة السياسة البريطانية ومحاربة مشروع التقسيم حتى القضاء عليه، واعتبر الفلسطينيون هذا البيان دعوة إلى الثورة المسلحة، وبذلك استؤنفت الثورة ووقعت معارك ضخمة حتى القضاء عليه، واعتبر الفلسطينيون هذا البيان دعوة إلى الثورة المسلحة، وبذلك استؤنفت الثورة ووقعت معارك ضخمة اتخذت الطابع الحربي فقد قام المجاهدون بهجمات منظمة على المدن واستطاعوا احتلال بعضها ورفع العلم الفلسطيني فيها منها: الخليل، وبيت لحم، والفالوجه، والقدس القديمة، وعكا، وبيت ساحور، والمجدل وبئر السبع.

ولم يخرجوا منها إلا بعد معارك ضارية مع القوات البريطانية، واتسعت في هذه المرحلة الهجمات على المستعمرات الصهيونية التي تكبدت خسائر مادية فادحة.
كان العمل العسكري في هذه الفترة دقيقاً ومنظماً بحيث تشكلت في بادئ الأمر لجنة جديدة سميت اللجنة العربية للجهاد، وقسمت المناطق إلى أقسام ولكل منطقة قائدها وأصبح الثوار أسياد الموقف.

كما أن بريطانيا قد كانت في هذه الفترة منشغلة في أمورها، وبحاجة إلى هدوء نسبي في فلسطين، فاضطرت بعد عجزها عن القضاء على الثورة إلى العدول عن قرارا التقسيم، وعقد مؤتمر المائدة المستديرة للبحث في الوصول إلى حل لقضية فلسطين، واتفق على أن يمثل الفلسطينيين في المؤتمر ممثلون عن "اللجنة العربية العليا" شريطة أن يكونوا من الداخل، والسماح لهم بالتشاور مع الخارج، وسافر الوفد إلى القاهرة واتفقوا على الثوابت التي سيرتكز عليها الوفد.

انعقد مؤتمر المائدة المستديرة ولم ينجح البريطانيون في جمع العرب والصهاينة مع بعض، وجرت اتصالات مع كل طرف على حده ولكن دون جدوى.


نتائج الثورة:

لقد كشفت الثورة عن القيادات المحليَّة والعربيَّة، التي تدخلت في قضية فلسطين بشكل أسهم في إجهاض الثورة إضافة إلى كشفها الحلف الامبريالي- الصهيوني في المنطقة وقدمت نموذجاً من أجل التحرر والدفاع عن الوطن والحفاظ على فلسطين عربية.

مميزات الثورة:

امتازت ثورة العام 1936، عن الثورات التي قامت ما بين 1920 و1933، أن جميع ما عرف بالثورات الفلسطينية قبل ثورة العام 1936، لم يكن أكثر من هبّات أو انتفاضات، أما ثورة 1936 فقد توافرت لها شروط الثورة هدفاً وأداةً وأسلوبًا.

كما أن هذه الثورة تُمثِّل محطة بارزة في حركة النضال الوطني الفلسطيني ضد الصهيونيَّة والاستعمار البريطاني، منذ أواخر القرن التاسع عشر.

أيضًا فإنها تُعد نقلة نوعيَّة في توجُّهات هذا النضال، بعد حالة الوهن العام التي اعترت الحركة الوطنية الفلسطينيَّة، في أعقابِ هبَّة البُراق، في العام 1929.

امتاز الإضراب بالشمول، فقد اجتمع المحامون وقرروا مشاركة الأمة في نضالها، كما اقتفى أثرهم الأطباء والتجار.
ومن أبرز مظاهر العمق الشعبي نشاط القرويين فقد عقدوا سلسلة من المؤتمرات في أقضيتهم قرروا فيها تأييدا المعركة الوطنية الدائرة.

سلبيّات الثورة:

استسلمت قيادات الثورة إلى ضغط بعض القيادات العربية، كما ذكرنا سالفًا، وتهاوت تحت وطأة ذرائع، ووعود، وتوعُّدات واهية.

الثورة والأدب والفنون:

قام الشعراء بدور بارز في الدعوة الثورة الواعية وبرز من بينهم عبد الكريم الكرمي( أبو سلمي )، وإبراهيم طوقان، وعبد الرحيم محمود.

حيث لاحظ المؤرخون المعاصرون أن قصائدهم كانت ترد على السنة المقاتلين وجماهير الشعب. وأعرب " أبو سلمي" عن المناخ الثوري حين هتف:

سيروا على الدرب المخضب والثموا أثر الجدود
حرية الإنسان تشري بالدم لا بالوعود
كذلك قام الشعر الشعبي بدوره الفعال وصاغ الثوريون تجربتهم الوطنية في بعض الأحيان في قصائد بسيطة ولكنها غنية بالعواطف.

لقد كانت الثورة العربيَّة (الفلسطينيَّة) الكبري (1936- 1937)، من أنجح، وأعتى، وأكثر الثورات وِحدة؛ فكانت وحدة داخليَّة، وعربية فائقة الجدارة؛ وباتت خير مثال لعى النضال، والاستشهاد في سبيل القوميَّة، والوطن.

























 
تعليقك على الموضوع :
 
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :  
 
 
التجمع القومي الديمقراطي الموحد - إقليم وادي النيل email: unda@unitedna.net